فصل: مصرفها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فقه السنة



.مصرفها:

كان أول صدام مسلح بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المشركين يوم السابع عشر من رمضان من السنة الثانية من الهجرة في بدر، وقد انتهى هذا الصدام بالنصر المؤزر والفوز العظيم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ولاول مرة منذ البعثة يشعر المسلمون بحلاوة النصر، ويمكنهم الله من أعدائهم الذين اضطهدوهم طيلة خمسة عشر عاما، والذين أخرجوهم من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله.
وقد ترك المشركون المنهزمون وراءهم أموالا طائلة فجمعها المنتصرون من المسلمين، ثم اختلفوا بينهم، فيمن تكون له هذه الأموال؟ أتكون للذين خرجوا في إثر العدو؟ أو تكون للذين أحاطوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وحموه من العدو؟
فأرشد القرآن الكريم إلى أن حكمها يرجع إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
ففي الآية الأولى من سورة الانفال يقول الله سبحانه وتعالى: {يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول}.
كيفية تقسيم الغنائم: وقد بين الله سبحانه وتعالى كيفية تقسيم الغنائم، فقال: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير}.
فالآية الكريمة نصت على الخمس يصرف على المصارف التي ذكرها الله سبحانه وتعالى، وهي: الله ورسوله، وذو القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وذكر الله هنا تبركا.
فسهم الله ورسوله مصرفه مصرف الفئ، فينفق منه على الفقراء، وفي السلاح، والجهاد، ونحو ذلك من المصالح العامة.
روى أبو داود، والنسائي، عن عمرو بن عبسة قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المغنم، ولما سلم أخذ وبرة من جنب البعير، ثم قال: لا يحل لي من غنائكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم» أي ينفق منه على الفقراء، وفي السلاح، والجهاد.
أما نفقات الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانت مما أفاء الله عليه من أموال بني النضير.
روى مسلم عن عمر، قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولاركاب.
فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله.
وسهم ذي القربى: أي أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، الذين آزروا النبي صلى الله عليه وسلم وناصروه، دون أقربائه الذين خذلوه وعاندوه.
روى البخاري وأحمد عن جبير بن مطعم، قال: لما كان يوم خيبر، قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب.
فأتيت أنا وعثمان بن عفان، فقلنا: يا رسول الله: أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم، لمكانك الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب، أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: «إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه ويأخذ منهم الغني والفقير والقريب والبعيد، والذكر والأنثى للذكر مثل حظ الانثيين» وهذا مذهب الشافعي، وأحمد.
وروي عن ابن عباس، وزين العابدين، والباقر: أنه يسوى في العطاء بين غنيهم وفقيرهم، ذكورهم وإناثهم، صغارهم وكبارهم، لأن اسم القرابة يشملهم، ولأنهم عوضوه لما حرمت عليهم الزكاة، ولان الله جعل ذلك لهم، وقسمه الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، وليس في الحديث أنه فضل بعضهم على البعض.
واعتبر الشافعي أن سهمهم استحق بالقرابة فأشبه الميراث.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي عمه العباس وهو غني - ويعطي عمته صفية.
وأما سهم اليتامى، وهم أطفال المسلمين، فقيل: يختص به الفقراء وقيل: يعم الاغنياء والفقراء، لأنهم ضعفاء وإن كانوا أغنياء.
روى البيهقي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى، وهو معترض فرسا، فقلت: يا رسول الله ما تقول في الغنيمة؟ قال: «لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش».
قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم.
وفي الحديث: «وأيما قرية عصت الله ورسوله، فإن خمسها لله ورسوله ثم هي لكم».
وأما الأربعة الاخماس الباقية، فتعطى للجيش.
ويختص بها: الذكور، الاحرار، البالغون، العقلاء.
أما النساء، والعبيد، والصغار، والمجانين، فإنه لا يسهم لهم.
لان الذكورة، والحرية، والبلوغ، والعقل، شرط في الاسهام.
ويستوي في العطاء القوي، والضعيف، ومن قاتل، ومن لم يقاتل.
روى أحمد، عن سعد بن مالك، قال: «قلت: يا رسول الله، الرجل يكون حامية القوم، ويكون سهمه وسهم غيره سواء؟ قال: ثكلتك أمك ابن أم سعد، وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم».
وفي كتاب حجة الله البالغة: ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش، كالبريد، والطليعة، والجاسوس يسهم له وإن لم يحضر الواقعة، كما كان لعثمان يوم بدر، فقد تغيب عنها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أجل مرض زوجته، رقية بنت الرسول صلى الله عليه وسلم.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه» رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وتقسم الغنيمة على أساس أن يكون للراجل سهم، وللفارس ثلاثة: وقد جاءت الأحاديث الصحيحة الصريحة بأن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يسهم للفارس وفرسه ثلاثة أسهم، وللراجل سهما.
وإنما كان ذلك كذلك لزيادة مئونة الفرس واحتياجه إلى سايس وقد يكون تأثير الفارس بالفرس في الحرب ثلاثة أصعاف تأثير الراجل.
ولا يسهم لغير الخيل، لأنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه أسهم لغير الخيل، وكان معه سبعون بعيرا يوم بدر، ولم تخل غزوة من غزواته من الإبل وهي غالب دوابهم، ولو أسهم لها لنقل الينا، وكذلك أصحابه من بعده لم يسهموا للابل.
ولا يسهم لاكثر من فرس واحد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرو عنه ولا عن أصحابه أنهم أسهموا لاكثر من فرس، ولان العدو لا يقاتل إلا على فرس واحد.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يسهم لاكثر من فرس واحد، لأنه أكثر غناء وأعظم منفعة.
ويعطى الفرس المستعار والمستأجر، وكذلك المغصوب وسهمه لصاحبه.

.النفل من الغنيمة:

يجوز للامام أن يزيد بعض المقاتلين عن نصيبه بمقدار الثلث، أو الربع.
وأن تكون هذه الزيادة من الغنيمة نفسها، إذا أظهر من النكاية في العدو ما يستحق به هذه الزيادة، وهذا مذهب أحمد وأبو عبيد.
وحجة ذلك، حديث حبيب بن مسلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان ينفل الربع من السرايا بعد الخمس في البداءة، وينفلهم الثلث بعد الخمس في الرجعة» رواه أبو داود، والترمذي.
وجمع لسلمة بن الاكوع في بعض مغازيه بين سهم الراجل والفارس، فأعطاه خمسة أسهم لعظم عنائه في تلك الغزوة.

.السلب للقاتل:

السلب هو ما وجد على المقتول من السلاح وعدة الحرب، وكذلك ما يتزين به للحرب.
أما ما كان معه من جواهر ونقود ونحوها، فليس من السلب، وإنما هو غنيمة.
وأحيانا يرغب القائد في القتال، فيغري المقاتلين بأخذ سلب المقتولين، وإيثارهم به دون بقية الجيش.
وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبل للقاتل، ولم يخمسه رواه أبو داود عن عوف بن مالك الاشجعي. وخالد بن الوليد.
وروى ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك: أن البراء بن مالك مر على مرزبان يوم الدارة، فطعنه طعنة على قربوص سرجه فقتله، فبلغ سلبه ثلاثين ألفا، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال لابي طلحة: إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالا كثيرا. ولا أراني إلا خمسته.
قال: قال ابن سيرين: فحدثني أنس بن مالك: إنه أول سلب خمس في الإسلام.
عن سلمة بن الاكوع قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين، وهو في سفر، فجلس مع أصحابه يتحدث، ثم انفتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اطلبوه، فاقتلوه» قال: فقتلته، فنفلني سلبه.

.من لا سهم له في الغنيمة:

تقدم أن شرط الاسهام في الغنيمة: البلوغ، والعقل، والذكورة، والحرية.
فمن لم يكن مستوفيا لهذه الشروط فلا سهم له في الغنيمة، وإن كان له أن يأخذ منها دون السهم.
قال سعيد بن المسيب: كان الصبيان والعبيد يحذون من الغنيمة إذا حضروا الغزو في صدر هذه الأمة.
وروى أبو داود، عن عمير قال: شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأخبر أني مملوك، فأمر بي من خرثى المتاع: أي أردأه.
وفي حديث ابن عباس: أنه سئل عن المرأة والعبد هل كان لهما سهم معلوم إذا حضر الناس؟ فأجاب: انه لم يكن لهما سهم معلوم، إلا أنه يحذيا من غنائم القوم.
وعن أم عطية، قالت: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنداوي الجرحى، ونمرض المرضى: وكان يرضخ لنا من الغنيمة.
وأخرج الترمذي عن الاوزاعي مرسلا، قال: أسهم النبي صلى الله عليه وسلم الصبيان بخيبر.
والمقصود بالاسهام هنا الرضخ.
وعن يزيد بن هرمز: أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس رضي الله عنهما، يسأله عن خمس خلال أما بعد: فأخبرني: «هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟» فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علما ما كتبت إليه.
ثم كتب إليه، فقال: كتبت تسألني: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، وأما يسهم، فلا.
ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقتل الصبيان، وأنت لاتقتلهم.
وكتبت تسألني: متى ينقضي يتم اليتيم؟ فلعمري، إن الرجل لتنبت لحيته، وإنه لضعيف الاخذ لنفسه، ضعيف الوكاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس، فقد ذهب عنه اليتم.
وكتبت تسألني: عن الخمس لمن هو؟ وإنا كنا نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا ذاك رواه الخمسة إلا البخاري.

.الأجراء وغير المسلمين لا يسهم لهم:

وكذلك لا حق للاجراء الذين يصحبون الجيش للمعاش في الغنيمة، وإن قاتلوا، لأنهم لم يقصدوا قتالا، ولا خرجوا مجاهدين، ويدخل فيهم الجيوش الحديثة، فإنها صناعة وحرفة.
وأما غير المسلمين من الذميين، فقد اختلفت فيهم أنظار الفقهاء فيما إذا استعين بهم في الحرب، وقاتلوا مع المسلمين.
فقالت الأحناف، وهو مروي عن الشافعي رضي الله عنه: يرضخ لهم، ولا يسهم لهم.
ومروي عن الشافعي أيضا: يستأجرهم الإمام من مال لا مالك له بعينه، فإن لم يفعل أعطاهم سهم النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الثوري والاوزاعي: يسهم لهم.